الشيخ عبد الغني النابلسي

11

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

التسليم والسلامة من غير منازعة ولا مزاحمة ولا ملامة ، أيقظهم قول المهيمن القديم : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] وهم الملحقون بالقسم الأول ، الذين لهم هذه الجمعية وعليهم فيها المعوّل لاشتراكهم معهم في لزوم الآداب ، وكونهم من جملة الأصدقاء والأحباب ، وإنما لهم يفتح هذا الباب ، ويرتفع الحجاب ، وينالون بذلك مقاصدهم من عطاء ربك الكريم الوهاب وعلى حسب ما يكون السؤال يأتيهم الجواب ، فأهل التحرّي لهذا الشأن والتحرّك قريب منهم أهل التيمّن به والتبرّك ، وإنما يحرم الجاهل المغرور لعمى بصيرته من الانتفاع بإشراق هذه البدور وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] ، اللّه أكبر اللّه أكبر ، من فوق هذا المنبر ، فإن خطيب الأزل قد صعدنا إليه فنزل ، وأتى أمر الحق بالحق وغير الحق انعزل ، فيا من في الحضر لم يزل ، وقد سمع الخطاب بلسان التشبيب في الحبيب والغزل ، وأشار إليه الدف « 1 » والطنبور « 2 » باللغة العجمية ففهم الإشارة ، وخاطبته الأيام والليالي بالألسنة المختلفة فأطربته هاتيك العبارة ، والكلام لك يا كنّة فاسمعي يا جارة ، قد راقت كؤوس الشراب القديم وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ « 3 » [ المطففين : 26 و 27 ] . ( شعر ) : وجود وحسبي أن أقول وجود * له كرم منه عليه وجود ويا ذوي العرفان ، ويا أهل المشاهدة والعيان ، ويا أصحاب التحقيق والإيقان ، ويا فرسان هذا الميدان ، ويا أطيار هذه الأغصان ، ويا ثمرات هذا البستان ، انظروا في هذا الوجود الواحد ، واتركوا نظر الغافل واللّاحد . وهذا لسان السّنّة وإن شئت قلت لكم بلسان الفرض : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] ، وتأملوا ظهوره للعقول بأنواع المعاني ، وتجلياته للحواس الخمس بالصور المختلفة كالماء المطلق في قيود صبغة القناني ، مع كمال تنزّهه عن الحلول والاتحاد والانحلال وزيادة تباعده المتداني ، بحكم التحقيق الروحاني ، والذوق الوجداني ، والنور الإسلامي والإيمانيّ والإحساني . وتحقّقوا بأمره الذي قام به الجميع ، وهو كالبرق اللميع . واعتبروا يا أولي الألباب ، فيما يفتح عليكم من هذه الأبواب ، فإنّ الأقسام كثيرة ، وهي التي ترمي بالعقول في بحار الحيرة ، وقد أشرنا إلى أمّهاتها في هذا الكتاب المسطور ، الذي هو فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [ الطور : 3 ] ، قسم المواجيد الذوقية ، والحقائق العرفانية ، والإشارات الإيمانية ،

--> ( 1 ) الدّف : آلة للطرب تصنع على هيئة إطار من خشب خفيف يشدّ عليه جلد رقيق ، وقد يكون بجوانبه صنوج نحاسية ، وهو من آلات الإيقاع ( ج ) دفوف . ( 2 ) الطّنبور : من آلات الطرب ، ذات عنق طويل وستة أوتار من نحاس ( ج ) طنابير . ( 3 ) التسنيم : ماء في الجنة .